← كل المقالات
ثقافتك القانونية

الواقع الإجتماعي بين التشريع وتحديات المتغيرات الإقتصادية والسياسية(2014/2011) (2)

الجزء الثالث:القانون الإجتماعي و تحديات الأزمة بداية من سنة 2011 (المأزق التونسي)

أعطيت الأولوية خلال المرحلة الإنتقالية للإصلاح السياسي دون الأخذ بعين الإعتبار الوضع الإجتماعي العام بالبلاد والذي اتسم بتصاعد الفوضى والعنف وتحدي الدولة بسبب ظروف العيش وتفاقم البطالة إضافة لغياب رؤية موضوعية لمتطلبات المرحلة خاصة بعد اتخاذ اجراءات ظرفية كالإعلان عن العفو العام وإطلاق سراح المساجين السياسيين بمن فيهم من حمل السلاح في وجه الدولة. 

وأمام ضغط الشارع وبعض المنظمات و الأحزاب قامت الدولة بانتداب، بصفة اعتباطية وغير مدروسة، أغلب من شملهم العفو وجرحى الثورة، ومكنت أكثر من 200 حزب سياسي من الحصول على الحق في النشاط بعد حل حزب التجمع الدستوري بمقتضى حكم قضائي استجابة لمطالب الأحزاب الجديدة وبطلب من وزير الداخلية (مارس 2011)، وحل البرلمان ومجلسي النواب والمستشارين والمجلس الدستوري والمجلس الإقتصادي والإجتماعي (مرسوم عدد 14 لسنة 2011 مؤرخ في 23 مارس 2011 يتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية) وتعويضهم بالهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي (15 مارس 2011) الذي أوكلت اليها مهمة التحضير لانتخاب المجلس الوطني التأسيسي (23 اكتوبر 2011).

وكان الإعتقاد سائدا بأن هذه الإجراءات ما هي الا تكريس لمبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان لتهيئة الانتقال بالحكم من حالة المؤقت إلى حالة من الاستقرار السياسي و السلم الأهلي في ظل أطلق عليه فيما بعد «بالجمهورية الثانية».  

وهي مرحلة تميزت باضطراب واضح في التعامل مع الملفات الكبرى للدولة وخاصة منها المرتبطة بمقاومة ظواهر مثل الارهاب والفقر وتفاقم الاحتجاج السياسي والإجتماعي وانتشار التهريب والهجرة غير الشرعية.

و قد أثرت حالة الانفلات هذه سلبا على النشاط الإقتصادي وعلى الأداء الفردي والجماعي داخل أماكن الإنتاج مما فاقم من عجزها على الإيفاء بالتزاماتها وقلص من موارد الدولة خاصة في القطاعات الهامة كالمناجم والنفط والغاز والنقل والسياحة.

فعلى امتداد مرحلة الإنتقال الديمقراطي، أعطى المشرع الأولوية لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإصلاح منظومة الحكم على حساب الإصلاحين الإقتصادي والإجتماعي وخاصة تلك المتعلقة بتأمين المؤسسات الإقتصادية من تبعات الوضع المتوتر والمضطرب.

و من أهم الاجراءات التشريعية الصادرة منذ سنة 2011 نذكر:

-         تنظيم الأحزاب: المرسوم عدد 87 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر 2011 يتعلق بتنظيم الأحزاب السياسية.

-         تنظيم الجمعيات: مرسوم عدد 88 لسنة 2011 مؤرخ في 24 سبتمبر 2011 يتعلق بتنظيم الجمعيات.

-         تنظيم حرية الصحافة: المرسوم عدد115 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر 2011 ويتعلق بحرية الاتصال السمعي البصري وبإحداث هيئة عليا مستقلة للإتصال السمعي البصري.

-         إعلان العفو العام: المرسوم عدد 1 لسنة 2011 المؤرخ في 19 فيفري 2011 والمتعلق بالعفو العام، والأمر عدد 3256 لسنة 2012 المؤرخ في 13 ديسمبر 2012 ويتعلق بضبط اجراءات العودة للعمل وتسوية الوضعية الادارية للأعوان العموميين المنتفعين بالعفو العام.

-         العدالة الانتقالية: إصدار القانون الأساسي عدد53 لسنة 2013 مؤرخ في 24 ديسمبر 2013 يتعلق بإرساء العدالة الانتقالية وتنظيمها. 

-         مقاومة التعذيب: احداث الهيئة العليا للوقاية من التعذيب بمقتضى القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2013 مؤرخ في 23 اكتوبر 2013. 

-         جبر حوادث الشغل لفائدة قوات الأمن الداخلي : القانون عدد50 لسنة 2013 مؤرخ في 19 ديسمبر 2013 يتعلق بضبط نظام خاص للتعويض عن الأضرار الناجمة لأعوان قوات الأمن الداخلي عن حوادث الشغل والأمراض المهنية.

-         المصادقة على بعض معاهدات العمل الدولية: وتخص الاتفاقية الدولية رقم 144 (جينيف في 21 جوان 1976) بشأن المشاورات الثلاثية في مجال معايير العمل الدولية، ورقم 151 (جينيف في 27 جوان 1978) بشأن علاقات العمل بالوظيفة العمومية ، ورقم 154 (جينيف في 19 جوان 1981) بشأن المفاوضة الجماعية، وذلك بمقتضى القانون الأساسي عدد 7 لسنة 2013 المؤرخ في 1 أفريل 2013.

لقد أرسى القانون الإجتماعي منذ السبعينات ثقافة الحوار بين الأطراف المهنية وكان في مقدمة القوانين الليبيرالية وخطوة جوهرية في ارساء مناخ اجتماعي مبني على اعتبار المؤسسة الإقتصادية ليست اداة للإنتاج والربح فقط بل وأيضا لاعب أساسي في تحقيق التنمية المنشودة.

وقد أدى العمال وأصحاب المؤسسات دورهم في التأسيس لهذا التوجه الوطني، كما لعبت الادارة دورا تعديليا لإيجاد التوازن بين طرفي الإنتاج من خلال التشجيع على ارساء الارضية المناسبة لضمان نجاح العلاقات المهنية وخاصة الجماعية منها على مستوى التفاوض واحترام الحق النقابي.

ومع ذلك فإن المناخ العام في تونس واجه منذ بداية التسعينات إلى العقد الأول من بداية القرن الواحد والعشرين تحديات جسيمة لم تمكنه من تجاوز  الأزمات  الحادة التي شهدتها التحولات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية للبلاد بسب انخرام التوازن بين التوجهات الإجتماعية العامة التي كرست ولو جزئيا مبدا «الديمقراطية الإجتماعية» في غياب كلي «للديمقراطية السياسية» الضامنة لحرية التعبير والتنظيم حيث:

-         انغلق الأفق السياسي الرسمي وتصلبه شيئا فشيئا خاصة في تعامله مع الهيكل الوحيد الممثل للطرف النقابي الذي تجذرت أيضا مواقفه بسبب طريقة تعامل النظام مع الأزمات الإجتماعية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر فقد قاطع الإتحاد العام التونسي للشغل مشاركته في مجلس المستشارين (2002) لاعتراضه على طريقة اختيار ممثليه.

-         إن مستوى التنمية البشرية الذي حقق نتائج ايجابية من ناحية الكم لم تصاحبه اصلاحات جوهرية في مجال محاربة البطالة والخصاصة ورافقته اجراءات ترقيعية للحد من آثار هذه الأزمة كانتشار ظاهرة العمل الهش عبر المناولة والحضائر ومرونة التشغيل بما ضرب في الصميم الحقوق الإقتصادية والإجتماعية لفئة كبيرة من العمال والشباب الباحث عن الشغل.

-         تم اتباع سياسة تعليمية تبحث عن الكم لا الجودة مما أثر سلبا على فرص تشغيل حاملي الشهادات العليا في ضمان حصولهم على عمل لائق. وهو نفس التوجه الذي ساهم بصفة مباشرة في تدني اداء المؤسسة التعليمية العمومية على كل المستويات.

وقد ساهمت هذه التوجهات الكبرى لسياسة الدولة في الوصول إلى هذا المأزق فأفرزت واقعا اجتماعيا صعبا بسبب اختيارات تميزت بغياب العدالة الجبائية والعدالة في توزيع الأجور قطاعيا (بين القطاع الخاص والقطاع العمومي وداخل نفس هذه القطاعات أيضا) وعلميا (كالقيمة المعرفية والعملية للشهائد العليا)، مع تفشي ظواهر الفساد والرشوة وتوسع الهوة بين المناطق والجهات.

وبالتوازي مع الوضع القائم ظهرت الأزمة المالية العالمية التي انطلقت منذ بداية 2007 بالولايات المتحدة الأمريكية لتطال بقية دول العالم (2008) من بينها تونس مما عمق حالة الإحتقان الشعبي داخليا حيث نرى أول آثارها بالحوض المنجمي الذي انتفض بقوة ضد النظام إثر احتجاج الشبان العاطلين عن العمل ضد سياسة التشغيل والتهميش لتتوسع فيما بعد وتأخذ أشكالا نضالية متعددة تم الرد عليها بكل قوة وعنف خوفا من تمددها إلى مناطق أخرى.

ولم يكن نظام بن علي الذي سيطر على مقدرات البلاد والعباد منذ 1987 قادرا على الصمود طويلا أمام حالة السخط العام بالبلاد وحتى أمام وسائل الإعلام المعادية لنظامه خاصة بعد الإستغلال المحكم لحادثة حرق محمد البوعزيزي نفسه يوم 17 ديسمبر 2010 إثر منعه من الإنتصاب بدون رخصة كبائع متجول بمدينة سيدي بوزيد. والمفارقة في قضية الحال أن الحادثة المذكورة تم تسويقها اعلاميا بحرفية عالية لتتحول إلى رمز للألاف من الشباب الجامعي العاطل عن العمل مع أن الضحية لم يكن مجازا كما روج له كما حال الشاب عبد السلام تريمش– صاحب شهادة عليا و أصيل مدينة المنستير الساحلية- الذي اقدم على حرق نفسة يوم 3 مارس 2010 بعد منعه أيضا من الانتصاب كبائع متجول وتوفي يوم 11 من نفس الشهر. واندلعت إثر وفاته أول مظاهرة شعبية غاضبة رفعت شعارات مناهضة للنظام. وتم حرق مقر الحزب الحاكم ومحاولة اقتحام مقر الولاية الا أن هذه الأزمة لم تلق الصدى الاعلامي أو الشعبي الذي لقيته حادثة البوعزيزي لنجاح النظام في السيطرة الأمنية والإعلامية عليها.

إن غياب أي افق سياسي في التعامل مع واقع هذه الأزمات يكون قادرا على معالجة متطلباتها موضوعيا، لا يمكن الا أن يعمق الصراعات والخلافات بين الفاعلين السياسيين والإجتماعيين ويزيد في حدتها.

فقد تأسست المقاربة الرسمية على عنصرين أساسيين هما:

-       إعطاء الاولوية للمعالجة الأمنية (ايقافات تعسفية، محاكمات صورية، التعذيب، التهديد و الوعيد ....)

-       التسويق لخطاب سياسي كلاسيكي يمجد خيارات النظام التنموية والسياسية، ويؤكد على أن البلاد محصنة ضد الازمات وخاصة ضد الأزمة المالية العالمية وليست بحاجة لأي اصلاح جديد.

لقد تفجر الوضع في تونس بعد ان انسد الافق السياسي والإجتماعي نتيجة مقاربات لم تأخذ بعين الإعتبار التحديات الوطنية الداخلية والعالمية الجديدة.

فأمام تنامي اعداد العاطلين عن العمل وتردي الأوضاع  المعيشية مع تصلب النظام تجاه أي معارضة تولدت من رحم كل ذلك الأرضية المناسبة لتنامي الإحتجاج والاحتقان إلى درجة المجاهرة بالمعادات له جهرا بعد سنوات من الخوف والصمت. لقد عبر الغاضبون في تحركاتهم التي لاقت تعاطفا جماهيريا فاجئ النظام الحاكم والمعارضة السياسية عن:

-       اتهامهم المباشر للنظام بالفساد والرشوة والمحسوبية

-       بعجزه عن معالجة ظاهرة البطالة خاصة لدى فئة حاملي الشهائد العليا.

كما تجدر لملاحظة و أن القطاع الخاص لم يكن قادرا على الاستجابة لمتطلبات سوق الشغل بسبب طبيعة المؤسسات الإقتصادية الوطنية ومحدودية إمكانيتها وأيضا بسبب عدم ملائمة منظومتي التعليم والتكوين المهني لحاجياتها الفعلية. كما شهد القطاع الخاص وأساسا منذ ثمانينات القرن الماضي ضغوطات شديدة لتدجينه واخضاعه لمنطق الولاء السياسي لحكام قصر قرطاج.

كل هذه العوامل اظهرت مدى هشاشة منوال التنمية المعتمد بتونس. فمؤشرات التنمية الإقتصادية والإجتماعية ولئن بدت مرتفعة ظاهريا الا أنها كانت مجرد أرقام واحصائيات لم تعكس حقيقة الواقع المتردي اجتماعيا وتعليميا ومهنيا وثقافيا لأغلب فئات الشعب.

قفد تبين ان مؤشرات التنمية لم تشمل كل الفئات والجهات، وهي فوارق برزت أساسا في مجالات التشغيل والبنية الاساسية وظروف العيش.

1.- القانون الإجتماعي في مواجهة الفوضى

أ.- الانزلاق نحو الفوضى

مثل سقوط نظام بن علي ومغادرته المفاجئة للبلاد متجها نحو إحدى دول الخليج يوم 14 جانفي 2011 مفاجأة غير متوقعة لكل متتبعي الاحداث وطنيا و عالميا.

ومع مرور الأيام و أمام الفراغ الحاصل في أعلى هرم السلطة، ضعفت الدولة ومؤسساتها، تخبطت الطبقة السياسية الغير متجانسة فكريا وايديولوجيا في صراعات حول تصوراتها في التأسيس للمرحلة الانتقالية. فظهر بذلك فراغ خطير في مستوى التعامل مع متطلبات هذه التحولات مما نتج عنه تصاعد في سقف المطالب الإجتماعية والمهنية، فأغلقت الطرقات وانسحب الأمن من المدن واحتلت عديد الطرقات من طرف مجموعات مختلفة المطالب والتوجهات، كما افرغت السجون وأحرق بعضها مما نتج عنه سقوط عديد الضحايا، واضطرت عديد المؤسسات الإقتصادية إلى التوقف عن النشاط بسبب التهديد أو التعرض للتخريب. 

لقد توقف كل شيء تقريبا، وعم العنف أغلب جها ت البلاد مما هدد في العمق السلم والامن الوطني. 

قاتسمت هذه الفترة بـــ :

-  الفوضى السياسية والصراع على الحكم

- فراغ مؤسساتي وضعف السلطة الردعية للدولة

- سيطرت منطق العنف الجماعي والفردي في تحدي للقانون وللسلط التنفيذية والقضائية.

ب.- القانون بين الفوضى والفراغ المؤسساتي

لقد تواصلت الإحتجاجات  بعد 11 جانفي 2011 لتأخذ اشكالا تصاعدية لتأخذ اشكالا فوضوية ذات طابع عنيف وتتسع لتشمل تقريبا كل الجهات. كما أخذت أساليب متنوعة حسب الجهات وطبيعة المجتمع المحلي.

ففي العاصمة تونس طغى البعد السياسي على الصراع، اما في الوسط والوسط الغربي فقد طغت الفوضى والعنف حيث احرقت عديد المؤسسات وتم قطع الطرقات وتنامي العنف الإجتماعي المبني على الولاءات الجهوية وبقايا النظم القبلية والعشائرية.

أما بالمناطق الساحلية فكان الوضع اكثر استقرارا و موجات الاحتجاج الشعبي لم تتجاوز في أغلب الأحيان الحدود المقبولة عند وجود الفراغ المؤسساتي.

ومن مظاهر الأزمة في ظل ضعف الدولة والتعطيل المتواصل لمؤسساتها، تنامت ظاهرة الهجرة غير الشرعية خاصة نحو ايطاليا، وتصاعد نسق التهريب خاصة باتجاه ليبيا التي انهارت فيها الدولة بعد مقتل معمر القذافي يوم 20 اكتوبر 2011 إثر سقوط العاصمة طرابلس في يد المناهضين لنظامه وذلك بمساعدة بعض القوى الأجنبية وخاصة فرنسا.

وفي هذا الاطار كان لمجمل هذه التحولات تأثير مباشر على الالتزام الإجتماعي بالقوانين التي فقدت مرجعيتها لدى الغالبية العظمى من السكان. 

كما بقي القانون الإجتماعي – في ظل هذا الوضع – عاجزا على مواجهة التحديات المهددة لدوره باعتباره اداة جوهرية لتنظيم العلاقات المهنية وفض اشكالياته، حيث دخل الجميع في نفق مجهول، فتأسست عملية التحكم في الخلافات الإجتماعية على منطق الطرف الأقوى.

ففي الفترة ما بين 2010/2011 خلفت هذه الأحداث 338 قتيلا وجرح أكثر من 2174  شخصا. ومع ذلك فان فترة ما بعد جانفي 2011 اعتبرت الثورة التونسية ثورة سلمية. 

ان الأحداث الخطيرة هذه كادت ان تهدد كيان المجتمع والدولة ولكنها لم تنجح في تقويض أسس النظام الجمهوري، لكنها نجحت في اضعافه وجعله رهينة مصالحها الضيقة وخاصة خلال سنوات حكم الترويكا بقيادة حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب التكتل). فقد تساهلت هذه الاحزاب الحاكمة في التعامل مع ملف المتطرفين دينيا (كالتعامل مع ما عرف بتنظيم انصار الشريعة) وسياسيا (روابط حماية الثورة) وغضت الطرف على التحركات المسلحة لخلايا متطرفة بدأت في إحكام سيطرتهم على عديد الأماكن خاصة بالوسط الغربي للقيام بعمليات  الإرهابية داخل بعض المدن والقرى راح ضحيتها عدد من رجال الأمن والجيش والمدنيين. 

ومع ذلك فإن نقطة القوة التي حالت دون انهيار الدولة تمثلت في قدرة هياكل الدولة على الاستمرار والتأقلم مع هذه التحولات الخطيرة إضافة لتماسك المنظمات المهنية والمدنية الكبرى ووقوفها بمساندة قاعدة شعبية عريضة ضد كل الدعوات والتحركات الدافعة بالبلاد نحو الفوضى الكاملة.

و لئن ظل أمن البلاد التونسية مرتبطا بواقعه الداخلي ومدى تماسك مجتمعه الا ان التحديات الاقليمية لم تكن لتساعده على معالجة أزماته، بل بالعكس كانت تدخلاته عاملا في مزيد خلق التوتر، حيث تدفقت الأموال من دول لفائدة منظمات ومجموعات مشبوهة ودخلت الاسلحة المهربة والمخدرات ونالت أحزاب تمويلات مختلفة من حلفاء خارجيين لخدمة اجندات الممول على حساب المصالح الوطنية العليا .... 

لكن وباعتبار الوعي السياسي المجتمعي وعدم استعداد بلدان شمال المتوسط لقبول نتائج انهيار تونس باعتبار موقعها الجغرافي الاستراتيجي المطل مباشرة على اروبا ضمنت كل هذه العوامل الإنتقال من مرحلة الفوضى إلى مرحلة الإنتقال الديمقراطي بهدف اصلاح النظام السياسي كأولوية رئيسية تضمن الممارسة الديمقراطية واحترام حقوق الانسان.

2.- الاصلاحات السياسية و مرحلة الانتقال الديمقراطي

كان بديهيا أن تضغط الأزمة الخانقة على الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني  للبحث عن أفضل  السبل للسيطرة على الفوضى والحد منها بما يسمح بتحقيق استقرار ولو نسبي يجنب البلاد الانهيار الكلي.

حيث بدأت اغلب مكونات المشهد السياسي والمدني تقتنع شيئا فشيئا بأهمية اعادة الهيبة للدولة ومؤسساتها وأن الفوضى لا تخدم الا مصلحة المتربصين بأمن الوطن والمواطن خدمة لأغراض لا علاقة لها بالمطالب الشعبية. وقد تركزت الجهود على ضرورة اعادة الاستقرار الإجتماعي وتأمين عمل مؤسسات الدولة والعودة للعمل بمواقع الإنتاج عمومية كانت أم خاصة، مع التمسك الحقوق والمبادئ الاساسية للإنسان كالحق في الشغل والكرامة في ظل نظام سياسي ديمقراطي.

و من أهم أحداث فترة الإنتقال الديمقراطي:

-       تكوين الهيئة العليا لحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي(18  فيفري 2011)

-       حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي بحكم قضائي بتاريخ 9 مارس 2011 (أيدته محكمة التعقيب بتاريخ 22 أفريل 2011)

-       اكتوبر 2011: انتخاب المجلس التأسيسي والذي تكون من 217 مقعدا (مدة سنة واحدة) بهدف صياغة دستور جديد (تحصلت فيه: النهضة على 89 مقعدا، المؤتمر من أجل الجمهورية على 30 مقعدا و21 مقعدا للتكتل)

-       16 جوان 2012 : الاعلان عن تأسيس حزب نداء تونس من طرف الباجي القائد السبسي

-       18 جوان 2012: الاتحاد العام التونسي للشغل يطلق مبادرته لإجراء حوار وطني يجمع كل الاطياف السياسية و المجتمع المدني

-       13 أوت 2012 : الاعلان عن تكوين الجبهة الشعبية تضم التيارات اليسارية والتقدمية والإجتماعية المناهضة لحركة النهضة

-       16 اكتوبر 2012: انطلاق الحوار الوطني وسط غياب الترويكا الحاكمة (حزب حركة النهضة وحزب المؤتمر وحزب التكتل)

-       6 فيفري 2013: اغتيال الشهيد شكري بلعيد (قيادي الجبهة الشعبية) أمام منزله بتونس العاصمة، واتهمت قيادات سياسية بأنها وراء هذا الإغتيال.

-       16 ماي 2013: انطلاق الجولة الثانية من الحوار الوطني

-       14 جوان 2013: تسجيل المسودة الأولى للدستور بمكتب المجلس التأسيسي

-       25 جويلية 2013: اغتيال المؤسس والمنسق العام لحزب حركة الشعب الشهيد محمد البراهمي أمام منزله (اغتيال تزامن مع الإحتفال بذكرى إعلان الجمهورية)

-       6 أوت 2013: تعليق أعمال المجلس التأسيسي وسط مطالب شعبية وسياسية بحل الحكومة والمجلس

-       25 اكتوبر 2013: انطلاق الحوار الوطني بحضور الأحزاب التي أمضت على وثيقة خارطة الطريق برعاية رباعي الحوار (الاتحاد العام التونسي للشغل، اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان، الهيئة الوطنية للمحامين)

-       14 ديسمبر 2013: اختيار المهدي جمعة لرئاسة الحكومة عوضا لعلي العريض.

-       28 ديسمبر 2013: مصادقة المجلس التأسيسي على القانون الأساسي المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات (القانون التأسيسي عدد23 لسنة 2013 المؤرخ في 20 ديسمبر 2013)

-       26 جانفي 2014: مصادقة المجلس التأسيسي على دستور جديد للجمهورية التونسية

-       26 اكتوبر 2014: اجراء الانتخابات التشريعية فاز فيها حزب نداء تونس بـ 86 مقعدا وحزب حركة النهضة ب 69 مقعدا (تراجع هذا الأخير بـ20 مقعدا مقارنة بانتخابات 2011، وبالمقابل خسر حلفائها في الترويكا هذه الانتخابات)

-       23 نوفمبر 2014: تنظيم الانتخابات الرئاسية وفاز بها الباجي قائد السبسي (نداء تونس) على منافسه المنصف المرزوقي بنسبة 68،55%.

الخلاصة:                   

عرفت المرحلة الانتقالية بروز للجماعات الارهابية المسلحة في ظل الركود الإقتصادي الخطير وتدهور كبير للقدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الارتفاع غير المسبوق فيأاسعار المواد الاساسية تزامن مع انزلاق العملة الوطنية مقابل الدولار والأورو.

أما سياسيا فقد اعتبرت التجربة التونسية في مجال الانتقال الديمقراطي نموذجا له خصوصيته بالنسبة للدول العربية التي شهدت احداثا مشابهة (والتي اطلق عليها مصطلحا: ثورات الربيع العربي). ذلك أن الخصوصية التي ميزت هذه التجربة تمثلت في الدور القيادي والطلائعي لمنظمات المجتمع المدني وخاصة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي نزل بكل ثقله صحبة منظمة الأعراف والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان والهيئة الوطنية للمحامين لضمان عدم انزلاق البلاد نحو الفوضى والعنف السياسي. وهو ما أدى إلى تفادي تفكيك الدولة ومؤسساتها كما وقع في بلدان كليبيا واليمن وسوريا.

لقد أمكن لآلية الحوار الوطني اخراج البلاد من النفق عبر التوافق على دستور جديد مرجعيته الإقرار بمدنية الدولة واحترام المبادئ الكونية لحقوق الانسان وأسس لجمهورية جديدة تأخذ مشروعيتها من إرادة الشعب عبر إنتخابات المباشرة والحرة.

3- الاصلاحات التشريعية

خلال فترة الانتقال الديمقراطي وبرغم هشاشة وضعف الدولة ومحدودية اداء مؤسساتها فقد تمت المصادقة على عديد الاتفاقيات الدولية المتعلقة بضمان حقوق الانسان وتعزيز الإطار القانوني الحمائي لحقوق المواطنين:

-       الموافقة على الاتفاقية الدولية لحماية الاشخاص من الاختفاء القسري بمقتضى المرسوم عدد 2 لسنة 2011 المؤرخ في 19 فيفري 2011 والأمر عدد 550 لسنة 2011 المؤرخ في 14 ماي 2011 والمتعلق بالمصادقة على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الاشخاص من الاختفاء القسري.

-       الموافقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بمقتضى المرسوم عدد 3 لسنة 2011  المؤرخ في 19 فيفري 2011 والأمر عدد 551 لسنة 2011 المؤرخ في 14 ماي 2011 المتعلق بالمصادقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

-       انضمام الجمهورية التونسية إلى نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية وإلى اتفاق امتيازات المحكمة وحصاناتها بمقتضى المرسوم عدد 4 لسنة 2011 المؤرخ في 19 فيفري 2011 والأمر عدد 549 لسنة 2011 مؤرخ في 14 ماي 2011 المتعلق بالمصادقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية وإلى اتفاق امتيازات المحكمة وحصاناتها.

-       الموافقة على انضمام الجمهورية التونسية إلى البرتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة بمقتضى المرسوم عدد 5 لسنة 2011 المؤرخ في 19 فيفري 2011 والأمر عدد 552 لسنة 2011 المؤرخ في 17 ماي 2011 المتعلق بالمصادقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.

-        صدور المرسوم عدد 42  لسنة 2011 مؤرخ في 25 ماي 2011 يتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 6 أوت 1982 المتعلق بضبط القانون الاساسي العام لقوات الامن الداخلي والذي الغى أحكام الفصل 11 والفقرة الثالثة من الفصل 12 من القانون عدد70/1982 وعوضه باحكام تكرس حق اعوان قوات الامن الداخلي في ممارسة العمل النقابي عبر نقابات مهنية مستقلة عن سائر النقابات المهنية واتحاداتها. وحجر عليهم الاضراب عن العمل او تعطيل سيره باي وجه او الانخراط في منظمة ذات صبغة سياسية او تعاطي اي نشاط بمقابل، الا ان المسيرين لها يمكنهم الادلاء إلى وسائل الاعلام بالتصريحات المتعلقة بنشاطهم النقابي.

4- تعقيدات الوضع والانفلات الإجتماعي بين 2011 و 2014:

   لم تسجل تونس ما بعد سقوط النظام  اي اصلاحات اجتماعية او اقتصادية عميقة خلال فترة 2011 و 2014. وكل ما في الأمر ظهرت محاولات من هنا وهناك لتفادي مزيد انهيار الوضع العام. وقد اقتصرت هذه المحاولات على الجانب السياسي وفلسفة الحكم الجديدة التي ترغب الأحزاب الجديدة في تأسيسها.

وهي الحالة التي بقيت تصطدم بتحديات كبرى نتيجة تشتت التوجهات العامة للأحزاب مما خلف معه فوضى عامة.

وقد تميزت هذه المرحلة أساسابانفلات أمني واجتماعي خطير.

أ‌-     الإنفلات الأمني:

عرفت سنوات 2011/2014 ممارسات سياسية خطيرة كادت ان تنزلق معها البلاد إلى عنف و مواجهات غير محسوبة العواقب. ولعل أخطرها:

-       الاعتداء على مقر و قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل من طرف جماعات و ميليشيات رابطات حماية الثورة وبعض الأطراف السياسية النافذة يوم 4/12/2012.

-        التشجيع على تنظيم الاعتصامات المطلبية المبنية على خلفيات سياسية وايديولوجية أو جهوية

-       تفاقم ظاهرة الهجرة الجماعية غير القانونية (عرفت اصطلاحا بالحرقة) في اتجاه إيطاليا بالأساس.

-       بروز ظاهرة الاستيلاء على العقارات الفلاحية والسكنية

-       تعدد محاولات تدجين الاعلام وتوجيه حرية التعبير وقمعها بالطرق الغير قانونية.

-       تنامي ظاهرة العنف السياسي الممنهج لتصفية المعارضين السياسيين.

-       تنامي ظاهرة التطرف الديني داخل الفضاء العمومي والمساجد تزامنت مع هجمة لمجموعات دعوية تكفيرية قادمة وممولة من بعض بلدان الشرق الأوسط ذات المرجعية الوهابية.

-        تمركز مجموعات ارهابية خاصة بالجبال المتاخمة للحدود مع دولة الجزائر.

-       و نشطت التجارة الموازية و التهريب في علاقة - حسب عديد المراقبين – مع تمويل الأنشطة الارهابية.

إن ضعف الدولة ومؤسساتها خاصة الامنية (والتي تعرضت بعد 2011 إلى شبه حالة انهيار بفعل قرارات غير محسوبة العواقب كحل جهاز أمن الدولة الداخلي وإفراغها من قياداتها الأمنية ...) ساهم في نشأة هذه الظواهر الغريبة عن ثقافة المجتمع التونسي.

وهي ظواهر افقدت أصحاب القرار السياسي مصداقيتهم أمام الرأي العام الوطني

فتونس التي ضاقت ذرعا بممارسات نظام بن علي وعائلته، وبعد ان نجحت في اسقاطه لا تزال تنتظر نتائج ثورتها التي لم يتحقق منها سوى هدف واحد وهو حرية التعبير التي تم استغلاله على حساب طموحات أغلب فئات الشعب التي لم تجن في الواقع سوى مزيدا من الفقر والتهميش وتفاقم الشعور بفقدان الامن الإجتماعي.

فحرية التعبير هي بالأكيد مكسبا جوهريا اذا ما تم تأطيره لتحقيق التنمية الإقتصادية والاستقرار السياسي والمؤسساتي ويكون ضمن ثوابت وطنية شاملة تأخذ بعين الإعتبار أخطاء الماضي وسلبياته. 

الا ان المتأمل في الوضع العام يلاحظ ان شيئا من ذلك لم يتحقق بل العكس هو الذي حدث، فبالتوازي مع خطورة الوضع السياسي وتجاذباته برزت مظاهر جديدة لتعامل المؤسسات الرسمية مع مختلف مظاهر الانفلات الامني بسبب:

-       تنامي الصراع السياسي للأطراف الباحثة عن التموقع و الحصول على اكبر قدر من الغنيمة التي تركها النظام السابق على حساب أهداف الثورة. ولم يكن هاجسها الرئيسي بلورة منوال جديد للتنمية يندرج ضمن استراتيجية توافقية.

-       عدم القيام باي بادرة حقيقية لمعالجة ظاهرة تفاقم الاحتقان الإجتماعي الذي نتج عن تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع نسب البطالة خاصة لدى فئة عريضة من الشباب.

-       حالة عدم الاستقرار بدول الجوار وخاصة ليبيا والشرق الاوسط.

انها مرحلة انفلات أمني بامتياز تفاقمت معه ظواهر السلب والنهب وانتشار للفساد ومهاجمة العصابات الملثمة للسكان وإضرام النار في المباني العامة وذلك بشكل غير مسبوق.

ان تونس التي نجحت في رفع تحديات الانتقال الديمقراطي، مما اهل رباعي الحوار الوطني للحصول على جائزة نوبل للسلام (سنة 2015)، لم توفق إلى تحقيق مصالحة وطنية شاملة وبقيت تحت تهديد الفوضى الإجتماعية بتواطئ مع بعض الأطراف السياسية التي لها مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه خدمة لأجندتها الحزبية.

ب‌-                       الانفلات الإجتماعي:

لقد ظهرت بوادر الانفلات الإجتماعي منذ فيفري 2011، حيث شهدت البلاد اعتصامات واحتجاجات عجزت الدولة على السيطرة عليها لتزامنها مع احداث ارهابية و|أمنية خطيرة كادت تعصف بمقوماتها واركانها. 

ومع مرور الوقت اصبحت الدولة متساهلة ومتجاهلة لظواهر سلوكية كانت تعتبر سابقا مهددة لأمنها واستقرارها، منها تفاقم التهرب الضريبي والتحيل والغش والاستعمال المجاني للنقل العمومي وعدم ردع السلوكيات المنحرفة والتغيب غير المبرر عن العمل بالمؤسسات العمومية والعامة والسياقة بدون رخصة او بدون لوحات منجمية، وقطع الطرق وتعطيل السكك الحديدية والاعتصامات العنيفة وضرب حق العمل والاستيلاء على مقرات اماكن العبادة والعقارات العامة والخاصة...الخ

وهي مظاهر ترجمت ضعف القيادات السياسية التي تداولت على الحكم مما رسخ شعورا عاما بالإفلات من العقاب ودفع العديد إلى الانحراف وتحدي الدولة ومؤسساتها. وهي وضعية لم تصلها البلاد حتى في أصعب أزماتها السياسية والإجتماعية كالأزمة النقابية (26 جانفي 1978 أو ما يعر عنه بالخميس الأسود) او انتفاضة الخبز (جانفي 1984).

ففي الندوة العربية حول التخطيط الاستراتيجي والاستشرافي في السياسات الإجتماعية في الدول العربية (10 نوفمبر 2015) اكد وزير الشؤون الإجتماعية التونسي أن الوقائع اثبتت أن السياسات الإجتماعية المتبعة رافقتها إخلالات في الرؤى والاستراتيجيات مما انعكس سلبا على نجاعتها خاصة في مجال تصويبها نحو الفئات المستهدفة. وهي اشارة عميقة لضعف السياسات الإجتماعية والتي كانت اداة لضمان الولاء سياسي خدمة النظام القائم بقطع النظر عن آثاره المستقبلية المدمرة للتوازنات المالية العامة وانعكاساتها السلبية على النسيج الإجتماعي.

فالدولة التونسية التي تخصص سنويا أكثر من نصف نفقات التصرف في الميزانية للقطاع الإجتماعي (التعليم، الصحة التكوين المهني، السكن الإجتماعي، تهذيب الاحياء، الطرقات، التنوير والماء الصالح للاستهلاك...) بدت عاجزة على الاصلاح الهيكلي لمنظومة التحويلات الإجتماعية فتفاقم العجز المالي لصناديق الضمان الإجتماعي، والمؤسسات الإقتصادية والخدماتية كالنقل والمناجم والخدمات الصحية...الخ.

وبحسب معطيات المعهد الوطني للإحصاء (احصائيات 2011/2015): 

-       تدهورت القدرة الشرائية للمواطن بنسبة 40% و ارتفعت نسبة الفقر إلى حدود 25%

-       تفاقمت البطالة حيث بلغ عدد العاطلين عن العمل 704 الف من بينهم 217 الف من حاملي الشهادات العليا مقابل 491 الف سنة 2010 من بينهم 157 حامل شهادة عليا.

كما ظهرت فئات جديدة من الفقراء نتيجة أزمة قطاعي السياحة والصناعات التقليدية وتقلص الاستثمار في القطاع الخاص مما قلص في نسبة الطبقة الوسطى من 80% إلى67%.

كلها عوامل ساهمت في تهديد السلم الإجتماعي خلال هذه الفترة الانتقالية الصعبة المخاض.

ففي جانفي 2016 بلغت الأزمة ذروتها بعد صعود اعلى عمود كهربائي من طرف أحد الشبان بمدينة القصرين مما تسبب في وفاته بصعقة كهربائية في محاولة منه الاحتجاج على حذف اسمه من قائمة الانتدابات. وقد انطلقت اثرها شرارة الإحتجاجات في اغلب ولايات الجمهورية. وهي احتجاجات هدفت دفع الدولة إلى التراجع عن سياسات واختيارات ثبت فشلها وكانت سببا مباشرا في تردي الوضع الإقتصادي والإجتماعي لأغلب فئات الشعب.

ومن ظواهر المعاناة وانسداد الافق :

-       تطور نسب الانتحار: 549 حالة انتحار ومحاولة انتحار سنة 2015 مقابل 203 سنة 2014 اي ارتفاعا بنسبة 170%.

-       تذيل تونس قائمة البلدان الأكثر سعادة لتصل للمرتبة 104 عالميا

-       بلغ عدد المصابين بأمراض نفسية قرابة 900 الف شخص. 

-       تفاقم الفساد والرشوة: حيث وصلت إلى 2% من الناتج المحلي الخام حسب معطيات البنك الدولي (2015).

وهي مؤشرات سلبية اعتبرها بعض المحللين انها ترتبط بردة فعل دول ترغب في ضرب التجربة التونسية عبر اجباره بدفع فاتورة الثورة التي قام بها من أجل ازاحة النظام القائم، في حين يرى آخرون أن ما آل اليه الوضع هو نتيجة طبيعية للوضع الاقليمي  المشحون بسبب الأزمة المالية العالمية والاوضاع الاقليمية بالمنطقة. 

ومما زاد في خطورة الوضع التجاء المجموعات الارهابية إلى جبال الشعانبي وجبال الوسط والشمال الغربي وتنفيذها سلسة من العمليات داخل المدن على غرار الهجوم على متحف باردو (18 مارس 2015 : عدد القتلى 30) وعلى نزل بمدينة سوسة (26 جوان 2015: عدد القتلى 40 و الجرحى 38) وكذلك محاولة هذه الجماعات انطلاقا من ليبيا إقامة إمارة ببن قردان بالجنوب الشرقي للبلاد (2 مارس  2016) حيث نجح الجيش التونسي وقوات الامن بمساندة الأهالي من القضاء على 50  إرهابيا وأسر عدد آخر منهم ووفاة 29 من المدنيين والعسكريين والامنيين من بينهم طفلة في الثانية عشر من عمرها.

خاتمة المقال

ان ما يميز البلاد التونسية تجربتها في معالجة ازماتها والتي ترتكز على مبدا الحوار والتوافق. وهو المبدأ الذي تبنته المنظمات الجماهرية والشعبية على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل و اتحاد الصناعة و التجارة في مقاربتهما لمعالجة المازق السياسي الذي أفرزه سقوط نظام زين العابدين بن علي.

لقد كانت المنظمات المهنية و قوى المجتمع المدني التقدمي في صدارة المؤطرين للمظاهرات الشعبية ايام 12 و 13 و 14 جانفي 2011. كما كانت الداعم الرئيسي لاعتصام باردو 1 (30 نوفمبر 2011) و باردو 2 (اعتصام الرحيل 26 جويلية 2013اثر اغتيال الحاج محمد البراهمي).

كما دافعت المنظمة الشغيلة على المكاسب المهنية للعمال وناضلت من أجل وضع حد للعمل الهش وحفظ كرامة الشغالين وقادت الحوار الوطني لإنقاذ الدولة من التفكك والانهيار.

كما بعثت برسائل طمأنة إلى شريكها الإجتماعي فاعتبرت أن اتحاد الشغل ليس في حالة حرب مع أصحاب العمل وأن مطالبته بإعلان هدنة اجتماعية لا يتطابق مع الحقيقة بل يهدف إلى شيطنة المنظمة لاعتبارات سياسية وهو ما يرفضه من ناحية المبدأ. 

وبدأ ان محاولة جر الأطراف الإجتماعية المهنية إلى اعلان هدنة اجتماعية يتناقض مع مبدا حرية ممارسة العمل النقابي وأطروحة لتبرير ضعف الاداء السياسي للحكام الجدد وتبرير عدم قدرتهم على معالجة قضايا المجتمع.

فحالة الاحتقان والأزمة الخانقة اقتصاديا واجتماعيا لم تنبع من استعمال الحق في الإضراب بل وجدت جذورها في تلك السياسات الخاطئة التي تبنتها الدولة طوال عقود من الزمن وعجزها على تصويب تلك السياسات في اطار تصور وطني جامع لمواجهة الازمات والقدرة على تبني منوال تنمية قادر على التأقلم مع تحديات المتغيرات السياسية والإقتصادية والتحولات الإجتماعية والثقافية للمجتمع.

فالعلاقات المهنية التي تأسست منذ أواخر القرن التاسع عشر اعتمدت على المنوال الفرنسي في رسم تلك العلاقات وهو منوال خلافي بالأساس أي أنه يعتبر ان علاقات الشغل تنشأ على أساس تناقض المصالح بين طرفي العقد (أجير ضعيف ومؤجر مستغل لقوة العمل) ليصنع نموذجا من العلاقات النزاعية منذ البداية. وهو بذلك يضع كل الآليات القانونية والمؤسساتية لفض تلك النزاعات وطريقة معالجتها.

ولم نجد منذ إنشاء دولة الاستقلال ما يكرس توجها فكريا جديدا يقطع مع هذا النموذج ليؤسس لعلاقات متوازنة ومتكاملة تعتمد مبدأ المعاملة بالمثل بين طرفي الإنتاج ويضع قواعد قانونية جديدة لهذه العلاقات تلعب فيه الأطراف الإجتماعية دورا ايجابيا في تمتينه اعتمادا على مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات يكون ممثلو العملة والأعراف هما الأطراف الرئيسية في تطوير مؤسسات الإنتاج في إطار تكامل الأدوار وبغاية المحافظة على المكاسب الإقتصادية والإجتماعية للمؤسسة.

                                                     (جميع  الحقوق محقوظة)