← كل المقالات
ثقافتك القانونية

(1) الواقع الإجتماعي بين التشريع وتحديات المتغيرات الإقتصادية و السياسية(2014/2011)

كمال صفر شعبان-مستشار في تشريع الشغل والضمان الإجتماعي -(مدير عام سابق بوزارة الشؤون الإجتماعية)

المقدمة العامة

عرفت تونس بعد 14 جانفي 2011 حالة خطيرة من عدم الاستقرار الامني و الإجتماعي حيث فقد النظام السيطرة على الاوضاع، وطفت على الساحة الصراعات الداخلية داخل أجنحته. وبالتوازي مع ذلك كانت المعارضة السياسية التي تبنت مطالب الحرية و الكرامة مشتتة وغير مؤهلة لإدارة الشأن العام.des masses mecontentntse controle taire tres critique

منذ جانفي 2014، وبرغم التغلب النسبي على عديد المظاهر كالإنفلات الأمني والإجتماعي، بقيت التحركات الإحتجاجية تمثل عامل توتر وتهديد للأمن والإستقرار مما أثر سلبا على الإستثمار وفاقم حالة الركود الإقتصادي، وعمق من ظاهرتي البطالة والفقر.

وهي عوامل مهددة لإستقرار الدولة ومؤسساتها خاصة بعد استغلال هذه الأحداث لزرع الإرهاب وتقويض أركان المجتمع وزعزعة استقراره بهدف التوسع بمنطقة الشمال الإفريقي. 

ففي حقبة ما قبل جانفي 2011 خضع عمل المؤسسات الحكومية وتطبيق القانون إلى إرادة النافذين في الحكم، وكان أخطرها خضوع المؤسستين الأمنية والقضائية وقطاع الإعلام لهذه الارادة. 

وقد انقلب المشهد جذريا بعد ذلك، لتتحرك كل القطاعات والمؤسسات معلنة رفضها للوضع القائم ومستغلة في ذلك ضعف وهشاشة هياكل الدولة في ضبط النظام العام واحترام القانون.

وهي ردود فعل ساهمت في فقدان السيطرة على الوضع العام، فتحولت أغلب القطاعات الرسمية التي هيمن عليها النظام إلى إكثر القطاعات احتجاجا على الخيارات السابقة فتنازعت في كل شيء ورفضت كل شيء في تحد لمتطلبات المرحلة الإنتقالية 2011/2014. 

وزاد الأزمة عمقا سوء استغلال الطبقة الحاكمة الجديدة لمواقعها القيادية بضعف أدائها السياسي إضافة لجهلها العميق بآليات التسيير والتصرف بمؤسسات الدولة في غياب واضح لبرامجها المستقبلية.

وهي عوامل رئيسية ساهمت بصورة مباشرة في تعقيد المشهد الإجتماعي وإعادة تشكله على خلفيات جهوية وايديولوجية متباينة أعادت توجيه وصياغة المطالب الرئيسية للمواطنين الغاضبين وحادت بها في كثير من الأحيان عن أهدافها الرئيسية، فانتشر العنف والفوضـى وسط تجاذبــات ومواجهات سياسية خطيرة أثرت سلبا على الوضع السياسي والإقتصادي للبلاد.

إن ارتباك المشهد السياسي الوطني هدد السلم والإستقرار الإجتماعي، ودفع معه منظمات المجتمع المدني - وخاصة الإتحاد العام التونسي للشغل والإتحاد الوطني للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية - للعب دورا رياديا في معالجة تداعيات أزمة الثقة بين اللاعبين السياسيين الجدد من جهة، ومعالجة حالة الفراغ المؤسساتي من جهة أخرى، بما ساهم في الدفع نحو الإستقرار بقصد إعادة نسق التنمية إلى مستوى مقبول طبق رؤيا وطنية توافقية تأخذ بعين الإعتبار المكاسب الإقتصادية و الإجتماعية التي تحققت منذ الإستقلال. 

لقد تأثر التشريع الإجتماعي بهذه التحولات السريعة والغير مسبوقة في مواجهة أخطر أزمة داخلية تعرفها تونس في تاريخها الحديث تجلت في تنامي الإحتجاجات  العنيفة كغلق المؤسسات و هروب الرأس المالالوطني وقطع الطرق و إغلاق السكك الحديدية و تكرر الاعتصامات خارج و داخل المقرات الادارية و الاعتداءات المتكررة على موظفي الدولة...

و هي احتجاجات أرقت صناع القرار و المنظمات المهنية لبلوغها مدى غير مقبول لإضراره المباشر بالاقتصاد الوطني خاصة بالقطاعات الاستراتيجية كالفسفاط و الغاز و النقل. و اصبح واضحا ان صبر الحكومة قد نفذ  حيث افاد آنذاك ناطقها الرسمي بأن الدولة لن تتسامح إزاء: «عمليات تعطيل مواقع الإنتاج وخاصة منها الحيوية و الاستراتيجية على غرار الفسفاط» (جريدة الشروق 25/3/2016). 

و بديهي أن اي تحرك اجتماعي  يولد انعكاسات مالية مؤثرة على كينونة المؤسسات، بحيث يتراجع انتاجهاوقد يتوقف (بلغت خسائر شركة فسفاط قفصة و المجمع الكيميائي التونسي منذ 2010 قرابة 5 مليار دينار) متسببا في تقلص التزاماتها سواء في الحفاظ على مواطن الشغل بها او في دفع الاستثمار لتطوير قدراتها على خلق الثروة.

ان تعطيل الإنتاج و التعدي على الحق في العمل، مهما كانت الدوافع المتسببة فيه، له نفس العواقب الوخيمة على السلم الإجتماعي و الاقتصاد الوطني. كما أثبتت التجارب أن فض المشاكل المهنية و الإجتماعية المرتبطة بالأنشطة الإقتصادية، لا يكون الا عبر الاتفاق و الحوار، و أن لجوء الدولة لاستعمال القوة لا يكون  الا عندما يهدد النزاع المصلحة العليا للبلاد.

الا انه امام حالة الضعف التي مرت بها مؤسسات الدولة – بالمرحلة الانتقالية خاصة – قلص من قدرتها على معالجة الازمات و خاصة منها المرتبطة بالوضع الإجتماعي و مقاومة البطالة و الارهاب و الحد من الإضرابات العشوائية. 

فقد تكبدت المجموعة الوطنية بسبب هذا الإنفلات العام للوضع خسائر مالية جسيمة نتيجة تعطل الإنتاج وغلق الطرقات ومنع الحق في العمل واتخاذ الإحتجاجات اشكال غير قانونية في تحد لسلطة الدولة، حيث سجل بين سنوات 2010 و2016 تراجع:

-       في انتاج الفسفاط بـ 60%.

-       للقيمة المضافة لقطاع الصناعات غير المعملية بحوالي 3%.

-       إنتاج النفط والغاز الطبيعي بنسبة 8،1 %.

                                                       الجزء الأول: الخصوصيات والتحديات التي يواجهها التشريع الإجتماعي

يعرف التشريع الإجتماعي بأنه مجموعة من القواعد الخصوصية التي تنظم العلاقات المهنية بين طرفي الإنتاج (أصحاب المؤسسات والعمال) ويحتوي على فرعين رئيسيين هما:

-   تشريع الشغل (مجلة الشغل، الإتفاقيات المشتركة، القوانين الأساسية الخاصة بأعوان المؤسسات العمومية ذات الصبغة الإقتصادية والتجارية..)

-   قوانين الضمان الإجتماعي (الضمان الإجتماعي في القطاع الخاص ، قانون الحماية الإجتماعية وخاصة الموجهة للفئات الهشة والضعيفة والمساعدات بمناسبة فقدان الشغل، قانون تعويض الأضرار عن الحوادث و الأمراض المهنية، التقاعد...)

           وينطبق هذا التشريع على الأجراء المرتبطين بعقود عمل مهما كان نوعها أو مدتها ما دامت تدخل في الأنشطة الخاضعة لمجلة الشغل. وهي عقود أفردها المشرع بإجراءات خصوصية محددة سواء بمناسبة إبرامها أو تنفيذها أو إيقافها أو قطعها، كما أنها مولدة لالتزامات وحقوق لا ينظمها العقد نفسه، بل تنشأ من خلال الواقع المهني داخل المؤسسة، وأيضا من خلال القواعد العامة الخاصة بالتنظيم القانوني للعلاقات الجماعية للشغل وأساسا المرتبطة بمجالات التفاوض الجماعي وممارسة الحق النقابي والتمثيل الجماعي للعملة.

فواقعيا لا يمكن إدراك طبيعة عقود الشغل بمعزل عن رؤية المشرع لها، كما لا يمكن عزل شروط تنفيذه بالأمانة المطلوبة عن عوامل مرتبطة بالثقافة السائدة وواقع المؤسسة وطبيعة نشاطها ومحيطها الجغرافي والإقتصادي والسياسي.

 وهي عوامل متداخلة تساهم في تطوير الآليات القانونية للتشريع الإجتماعي، وتجعله تشريعا مرنا ومتحركا قادرا على صياغة الحلول المستجيبة من جهة لحاجيات مؤسسة الإنتاج، وللرقي الإجتماعي للعمال من جهة أخرى، باعتباره تشريعا ضامنا لحقوقهم ومؤتمن على حمايتهم من كل أشكال التردي الإجتماعي.  

ويبقى التشريع الإجتماعي متأثرا دوما: 

-   بسياسات الدولة الإقتصادية وتوجهاتها الإجتماعية واختياراتها في مجالات التعليم والتدريب والتكوين المهني وطبيعة علاقتها بالمنظمات المهنية.

-   بالطبيعة والخلفية الفكرية للمنظمات النقابية ومواقفها من السياسات الرسمية للحكومات والتي لها تاثير مباشر على مصالح منخرطيها.

-   مدى قدرة سلطات الرقابة الرسمية وخاصة تفقديات الشغل على فرض احترام التشريع المهني في ظل الحيادية والإستقلالية.

وقد اختلفت في هذا الإتجاه الرؤى حول دور هذا التشريع في ضمان الرقي الإجتماعي، حيث أن الغالبية من منظري تيار العولمة (المهيمنة على السوق العالمية منذ انهيار الكتلة الشرقية 1989)  يعتبرون أن تدخل الدولة الحمائي لفائدة الطبقة العاملة يحد من تدفق الإستثمار ويرفع تكلفة الإنتاج ويحد من حركة الرأسمال والقدرة التنافسية للمؤسسات . وهو رأي لا يعترف بالحقوق الإجتماعية  التي اكتسبتها الطبقة العمالية منذ بدايات الثورة الصناعية (القرن التاسع عشر). وعمل هذا التيار على إعادة النموذج القديم للنظام الرأسمالي «المتوحش» والذي ناضلت شعوب أروبا والعالم  ضده لآثاره المدمرة على القوة العاملة ماديا وصحيا.

وبهدف الحد من الآثار السلبية لهذا التوجه صدر «إعلان منظمة العمل الدولية بشان العدالة الإجتماعية من أجل عولمة عادلة » (جينيف 10 جوان 2008) قائمة على مبدأ ضمان« العمل اللائق». 

ويأتي هذا الإعلان في وقت «ينتشر فيه انعدام اليقين في عالم العمل ويشهد استمرار حالات انتهاكات حقوق العمال و تزايد الشواغل التي تحملها العولمة و الحاجة إلى ان تضافر المنظمات الدولية جهودها على نسق افضل للتصدي لهذه المسائل».

ومن البديهي أن هذه المتغيرات التي شهدها العالم أثرث في التشريع الإجتماعي الوطني وعرضته لتحديات جوهرية مرتبطة بالمبادئ والمفاهيم والقيم التي تأسس عليها. وهو مطالب بالإجابة على تلك التحديات التي تقيد من فعاليته حتى يحافظ على دوره الطلائعي في تحقيق العدالة والسلم والرفاه الإجتماعي عبر تكريس مبدأ ضمان العمل اللائق. لذلك فهو في حاجة دائمة للتحليل والتقييم من طرف الفاعلين الإجتماعيين والمختصين في علم الإجتماع القانوني، بما يتيح التعمق في فهم التحولات المؤثرة في رؤية المشرع لعلاقات الشغل- مع الأخذ بعين الإعتبار تطور وسائل الإنتاج  وتقنياته وبروز أنماط جديدة في التشغيل- في محيط متحرك في الزمان والمكان.

وخلافا لرؤية المناهضين لهذا التشريع، فإن إصدار الأحكام المسبقة في تقييمه ما هي الا محاولات هدفها الرئيسي تبرير الفشل في مواجهة الأزمات التي يعاني منها المجتمع نتيجة اتباع سياسات ارتجالية لا تعتمد رؤيا استراتيجية توافقية لمنوال تنمية متوازن تحقق الحد الأدنى من العدالة في توزيع الثروة والإستفادة المتوازنة من المكاسب التي تتحقق.

إن واقع عالم الشغل في علاقته بالمحيط الخارجي سيبقى دائما عنصرا دافعا نحو إعادة صياغة العلاقات الإجتماعية والمهنية على المستوى الفردي والجماعي، ومصدر تحوله وتطوره. فالتشريع الإجتماعي لم يكن مطلقا تشريعا ثابتا، إنما هو تشريع أقيم على مبدأ التطور والديناميكية وارتبط دائما بتطور وسائل الإنتاج والعمل وطبيعة رأس المال.فواقع الحال المتأزم حث المشرع الوطني للبحث عن الحلول البديلة لواقع الشغل - الذي خاصة بعد تجربة السبعينات (تبني نموذج الاقتصاد الليبيرالي) وتجربة التسعينات وما بعدها (تحديات العولمة بالتخلي تدريجيا على المؤسسات الإقتصادية التابعة للدولة) الذي شهد تحولات عميقة على مستوى التوجهات السياسية والإقتصادية للدولة بغاية دفع نسق الإستثمار يكون قادرا على امتصاص البطالة وتوفير استقرار اليد العاملة وتطوير أدائها. 

ومع ذلك – وكما سيقع بيانه لاحقا – لم تكن هذه التوجهات العامة موفقة في تجنيب البلاد هزات وأزمات خطيرة لفقدانها لاستراتيجية تنموية متوسطة وبعيدة المدى تأخذ بعين الإعتبار نقاط القوة والضعف للمؤسسات الإقتصادية وقدرتها العملية على المنافسة والتطور. فالمقاربات كانت دائما، وبعد كل أزمة،  تعتمد الحلول الترقيعية لتجاوزها وغلب عيها البعد السياسي الضيق.

وفي الحقيقة فإن ضمان السلم الإجتماعي قادر والصمود أمام الأزمات الإقتصادية تكمن في:

-       تكريس مؤسساتي للتفاوض والحوار الثلاثي بين طرفي الإنتاج والدولة على أساس المحافظة على التوازنات الكبرى للسياسات الإقتصادية والإجتماعية،

- إعطاء دور أكثر فاعلية للحوار صلب مؤسسات الإنتاج بهدف الرفع من الإنتاجية وتحسين تقنياته، وتنمية بثقافة الإنتماء لها،

-   تشجيع البحث العلمي بالشراكة مع أقطاب مؤسسات الإنتاج والمؤسسات المتوسطة والصغيرة ضمن شبكة متكاملة تضم الجامعات وهياكل الدولة والمنظمات المهنية،

-       قيام الدولة بتركيز تدخلاتها لتطوير البنية التحتية بما يضمن جودة الخدمات ويشجع على الإستثمار.

- إعادة النظر في السياسة التعليمية والتكوين المهني والتشغيل بما يساهم في الرفع من كفاءات طالبي الشغل على المستويين العلمي والتطبيقي، ويسهل ادماجهم في سوق الشغل دون اللجوء إلى الحوافز الوهمية والظرفية أثبتت التجارب عدم مردوديتها الإقتصادية. 

-   وضوح واستقرار في سياسات الضريبة والأجور (وهو أ مر يكاد يكون غائبا في التمشي الوطني).

                                                   الجزء الثاني: لمحـة عن تطور التشريع الإجتماعي الوطني

1.- العدالة الإجتماعية وتطبيق القانون:

نظريا يحدد القانون الضوابط السلوكية الملزمة للدولة وللأفراد والجماعات. وهو يمثل بذلك القيمة الأخلاقية لطبيعة تلك العلاقات ولا يأخذ  بعين الإعتبار مصالح مجموعة على حساب مجموعة اخرى.                                                                     

فالفرد أو الجماعة ذات المصلحة ملزمة باحترام القانون، والدولة ملزمة بحماية جميع مواطنيها مهما كان انتماؤهم الإجتماعي أو الفكري أو الجنسي، كما هي ملزمة بحمايتهم ضد كل أشكال التمييز والإقصاء والظلم لضمان العدل والإنصاف وبالتالي تكرس مفهوم مساوات  الكل أمام القانون.

ومن المعلوم أن فقدان القانون لطابعه العادل والمنصف واللاشخصي يعرض الدولة والمجتمع إلى حالة من الضعف والوهن، وبالتالي يفقدها طابعها الشرعي الذي بنيت على أساسه، كما يعرض سياساتها في جميع الميادين إلى التردي مما يجعل معها سلطاتها المعنوية والمادية غائبة وغير فعالة.

فلا يكفي أن يكون القانون نتاجا للعلاقات الإجتماعية ومحددا لسلوك الأفراد والجماعات تتبناه الدولة لتضمن التوازن الإجتماعي، بل من واجبها أيضا الحرص على ضمان تطبيقه بكل شفافية وبقطع النظر عن مصالح فئة دون أخرى. ولتحقيق هذه الغاية لا بد من توفر شرط الوعي الإجتماعي والمؤسساتي المشترك المؤمن بضرورة الإلتزام بالقانون باعتباره المرجع الأول لحل كل الاشكاليات والخلافات بما فيها تلكك المتعلقة بمراجعة التشاريع لجعلها متماشية ومتطلبات التحولات الإقتصادية والإجتماعية والعالمية.

ويحتل القانون الإجتماعي مكانة هامة في رسم السياسات العامة للدولة لما له من انعكاس مباشر على المؤسسة الإقتصادية والسلم الإجتماعي. فبدون حد أدنى من استقرار العلاقات المهنية لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية، وبدون وجود حوار اجتماعي سليم لا يمكن الحديث عن تقاسم الأدوار داخل فضاء العمل بما يدعم الإنتاج والإنتاجية ويحقق الرفاه والرقي الإجتماعي.

ولطرفي الإنتاج – سواء مباشرة أو عن طريق منظماتهم النقابية – دورا طلائعيا في تحديد ملامح العلاقة بينهما بما يساهم في التركيز على تحسين جودة المنتوج بتكلفة قابلة للمنافسة محليا ودوليا. فتكون النتيجة دعم لدخل الأجير من جهة، ودفع لخلق مزيد من مواطن الشغل من جهة أخرى (إن المؤسسة المعتلة اقتصاديا واجتماعيا كالآلة المعطبة لا تفيد في شيء بل تكون في غالب الأحيان عبئا على المجموعة الوطنية).

فالمسألة قانونية واقتصادية وسلوكية، كما أن المؤسسة في حاجة دائما لحسن التدبير ولمن يؤازرها ويستجيب لتطلعاتها بعيدا عن الحسابات الضيقة سواء من جانب الأجير او المؤجر أو المحيط الذي تنشط فيه.

والقانون الإجتماعي يبقى دائما الإطار الوحيد المؤهل لفض النزاعات الشغلية بالعدل والإنصاف، والعجز عن احترامه يضعف المؤسسة ويضر بمصالح المجتمع والدولة وتضيع حقوق الأطراف الإجتماعية ليستفيد منها القوي على حساب الضعيف.

2.- مراحل تطور التشريع الإجتماعي:

عموما، فإن تطور قانون الشغل خاصة والتشاريع الإجتماعية عموما استوعبت أهم التحديات والمراحل التي مرت بها تونس،  تطور بنسق متواز مع متطلبات الواقع الإجتماعي والإقتصادي العام.

وقد اختلف دوره باختلاف اشكاليات وواقع عالم الشغل محافظا على دوره الرئيسي و الأساسي كأداة دافعة نحو الرقي الإجتماعي والإزدهار الإقتصادي برغم تحديات سوق الشغل (بالبطالة) وانفتاح السوق الوطنية على الأسواق العالمية المنافسة.

ونستعرض أهم تلك المراحل التي سنختصرها في 03 وهي:

Ø     المرحلة الاولى: من 1908 إلى 1966

وهي مرحلة شهدت فيها البلاد التونسية تبني المستعمر الفرنسي تحت الضغوط العمالية والنقابية لمجموعة من التشاريع تهم بالأساس: 

-         تنظيم الراحة الاسبوعية: جويلية 1908

-         تشغيل النساء والأطفال في التجارة  والصناعة : جوان 1910

-         تنظيم المؤسسات المخطرة والمخلة بالصحة والمزعجة: 1919

-         جبر حوادث الشغل: 1921

-         تنظيم تشغيل الأجانب: 1930

-         إحداث نظام العمل 8 ساعات في اليوم: 1933

-         الإعتراف بالحق النقابي: 1932

-         التفاوض الجماعي: 1936 (تم ابرام قرابة 200 اتفاقية بين 1936 و 1939)

-         احداث المنح العائلية: 1944

-         احداث مجالس العرف: 1950

-         انخراط تونس في المنظمة العالمية للشغل: 1956 مع أخذ مجموعة من التدابير لتنقيح وإتمام التشريعات الصادرة إبان الحقبة الإستعمارية.

Ø     المرحلة الثانية: من 1966 إلى 1993

وهي فترة امتزجت بخاصيتين أولها كانت منكبة على بناء الدولة الحديث والثانية تمحورت حول منوال التنمية الإجتماعية المنشودة في مرحلة ما بعد فشل تجربة التعاضد أواخر ستينات القرن الماضي.

-         الفترة الأولى: 

وهي مرحلة ما بعد الإستقلال إلى غاية بداية السبعينات حيث أمسكت الدولة الوطنية بكل الملفات الكبرى وحصرت دور المجتمع المدني والسياسي في الترويج لهذه السياسات. وبقي هذا المفهوم هو الغالب على رؤية المشرع الذي أبقى على منع التفاوض في المسائل المتعلقة بالأجور وبترتيب الأصناف المهنية أو الترتيب الفردي للعملة في كل صنف مهني بمناسبة صدور القانون عدد 27 لسنة 1966 المؤرخ في 30 أفريل 1966 والمتعلق بإصدار مجلة الشغل (ملاحظة: منع الأمر المؤرخ في 5 نوفمبر 1946 التفاوض في هذه المسائل بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، واستمر هذا المنع بمقتضى الفصل 51 من مجلة الشغل).

وقد انعكس ذلك على دوربقية المنظمات المهنية- للعمال والأعراف وفي القطاع الفلاحي - والذي كان هامشيا في رسم السياسات المهنية بسبب غياب الحريات العامة كحرية الرأي والتعبير  والتنظيم، وهيمنة نظام الحزب الواحد على الحياة السياسية والإقتصادية للبلاد.

-         الفترة الثانية:

في سنة 1970 تم الإعلان عن بداية مرحلة جديدة– مباشرة إثر فشل تجربة التعاضد – أساسها اعتماد سياسة ليبيرالية في  المجالين الإقتصادي والإجتماعي، حيث أعلنت حكومة المرحوم الهادي نويرة انها اختارت سياسة اجتماعية تعتمد مبدأ التفاوض والحوار في الفضاء المهني ففوضت أمر تحديد شروط العمل للمنظمات المهنية. وفي  هذا الغطار انعقد مؤتمر الإتحاد العام التونسي للشغل أيامي 10 و 11 جويلية بتونس ليعلن على أن :

- الاتفاقيات الجماعية المشتركة يجب أن يتم تعميمها بالقطاع الخاص

- أن الشركات العمومية يجب أن تكون لها قوانين أساسية

وهو الأمر الذي تم الاتفاق عليه بين الوزير الأول الجديد ومسؤولي الاتحاد العام التونسي للشغل في الاجتماع الذي جمع الطرفين بتاريخ 21 نوفمبر 1970.

وبذلك رفع المنع الذي طال التفاوض الجماعي بصدور الأمر عدد 247 المؤرخ في 26 ماي 1973 ونصه: «أن الإتفاقيات المشتركة للشغل المبرمة طبقا للفصول 31 إلى 52 يمكن أن تتضمن في المستقبل، وبصفة قانونية أحكاما تتعلق بالأجور، وبالمنح الزائدة عن الأجور، وبترتيب الأصناف المهنية وبالترتيب الفردي للعملة في كل صنف مهني».

وقد مكن هذا الاختيار من إعادة إرساء قواعد التفاوض والحوار لمعالجة مسالة حساسة من مسائل التنمية الإجتماعية، فصدرت الاتفاقية الاطارية المشتركة بمقتضى قرار من وزير الشؤون الإجتماعية مؤرخ في 29 ماي 1973 و تلتها إبرام عديد الاتفاقيات المشتركة القطاعية. وهي اتفاقيات تحمل مقتضيات اكثر نفعا من تلك الواردة بمجلة الشغل.

Ø     المرحلة الثالثة: بداية من سنة 1993 

أمام التحولات السريعة التي عرفها العالم خاصة منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي بفضل الثورة التكنولوجية وثورة المعلومات وعولمة الاقتصاد والحديث عن القرية الكونية، كان لا بد للإقتصاد الوطني أن يواجه تحديات جديدة يمكن لها أن تهدد كينونته واستمراريته. فكان لابد للمشرع الوطني أن يوفق بين متطلبات العولمة ويحافظ في نفس الوقت على مكتسباته الإجتماعية عبر أقلمة منظومته التشريعية ليضمن استمرارية المؤسسة و استقرارها.

وفي هذا الإطار كان تحوير جل مقتضيات مجلة الشغل وقوانين أخرى لها علاقة بفضاء الإنتاج:

-         القانون عدد 66 لسنة 1993 مؤرخ في 5 جويلية 1993 يتعلق بتعديل مجلة الشغل فيما يخص عدم التمييز بين الجنسين، وإلغاء الفصلين 135 و234 من المجلة وتعويضهما  بالفصل 135(جديد) حول ضبط الأجور في الميدان الفلاحي وشروط تأجير الأطفال و 234 (جديد) الذي رفع في الخطايا المتعلقة بمخالفة أحكام المجلة.

-         القانون عدد 29 لسنة 1994 مؤرخ في 21 فيفري 1994 يتعلق بتنقيح 71 فصلا من مجلة الشغل وإضافة 16 فصلا جديدا. وشملت التنقيحات والإضافات مسائل أهمها تعلقت بـــ : اجراءات الطرد والتعويض عن الطرد التعسفي وهياكل تمثيل العملة، وهيكلة تفقديات الشغل والمحاكم المهنية وتسوية نزاعات الشغل الجماعية ....

-         القانون عدد 62 لسنة 1996 مؤرخ في 15 جويلية 1996 يتعلق بتنقيح بعض أحكام مجلة الشغل تم بمقتضاه تنقيح 72 فصلا ، وإضافة 48 فصلا جديدا وإلغاء 34 فصلا. وشملت الأحكام الجديدة مسائل تهم : عقد الشغل وأنواعه، اجراءات الطرد لأسباب اقتصادية أو فنية، الاتفاقيات المشتركة المقبولة، تشغيل الأطفال، شروط تشغيل الأطفال والنساء ليلا وفي الأشغال تحت الأرض واسترجاع المعادن القديمة، مدة الشغل والعمل لوقت جزئي، الراحة الأسبوعية وأيام الأعياد والعطل الخالصة والرخص السنوية، الأجور والعقل على الأجور، حفظ الصحة، استخدام اليد العاملة الأجنبية، الإعلام بالمؤسسات، الطب في ميدان الشغل، لباس الشغل، إحداث اللجنة الوطنية للحوار الإجتماعي.

كما شهدت تسعينات القرن الماضي عديد التحولات التشريعية الهامة شملت على سبيل المثال: 

-         انقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية: القانون عدد 34 لسنة 1995  المؤرخ في 17 أفريل 1995 والذي وضع نظاما خاصا بإنقاذ ومساعدة  المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية لتواصل نشاطها وتحافظ على مواطن الشغل بها مع الوفاء بديونها.

-         التكوين المهني: نشر القانون التوجيهي للتكوين المهني عدد 10 لسنة 1993 مؤرخ في 17 فيفري 1993.

-         التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية بالقطاع الخاص: وذلك بإلغاء القانون عدد 73 لسنة 1957 المؤرخ في 11/12/1975  وتعويضه بالقانون عدد 28 لسنة 1994 مؤرخ في 21 فيفري 1994 والذي أسند التصرف في نظام جبر حوادث الشغل والأمراض المهنية للصندوق الوطني للضمان الإجتماعي (قبل احداث الصندوق الوطني للتامين على المرض سنة 2004).

-         التعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية بالقطاع العام: القانون عدد 56 لسنة 1995 و الذي أحدث لأول مرة بالبلاد التونسية نظاما خاصا بتعويض الأضرار الحاصلة بسبب حوادث الشغل والأمراض المهنية بقطاع الوظيفة العمومية.

كما تزامنت هذه الإصلاحات في مجال الشغل والعلاقات المهنية مع الإصلاحات الهيكلية للإقتصاد فصدرت مجلة التشجيع على الاستثمار بمقتضى القانون عدد 120 لسنة 1993 المؤرخ في 27 ديسمبر 1993، وانخرطت تونس في المنظمة العالمية للتجارة (جانفي1995) وأمضت اتفاق الشراكة مع الاتحاد الاوروبي (جويلية 1995)، ووضعت استراتيجية لدعم المؤسسات الإقتصادية من خلال الإصلاح الهيكلي للمؤسسات العمومية وتأهيل المؤسسات لدعم قدرتها التنافسية لمواجهة تحديات فتح السوق الداخلية على البضائع الاجنبية وإصدار القانون عدد34 لسنة 1995 مؤرخ في 17 أفريل 1995 المتعلق بإنقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية.

وفي هذا السياق فإن تطور التشريع الإجتماعي قد يطرح تساؤلات عديدة حول مدى فاعليته في الإستجابة لإكراهات واقع الشغل ومدى قدرته على حماية المكتسبات الإجتماعية التي حققها لفائدة العمال. فأمام التحولات العالمية الضاغطة في اتجاه تحييد دور الدولة والنقابات العملية ظهرت موجة من التشكيك الممنهج في دوره كأداة معرقلة في تحقيق النمو الإقتصادي والرفاه الإجتماعي لتكلفته المالية المرتفعة بما لا يتماشى – حسب المنظرين المدافعين على العولمة – ومبدأ تحرير الاقتصاد العالمي من القيود الحمائية التي لا تشجع على الاستثمار ولا على مزيد خلق فرص العمل. 

فحصيلة هذه الحقبة كانت سلبية خاصة من الناحيتين الإقتصادية (هشاشة النسيج الإقتصادي وعدم قدرته على مواجهة تحديات السوق العالمية انتاجيا وتنافسيا)، والإجتماعية (تردي القدرة الشرائية خاصة للطبقة الوسطى مع تقلص نسبتها، تردي مستوى أداء مؤسسات التعليم، تهميش للجهات الداخلية، غياب العدالة الجبائية، تطور خطير لنسب البطالة خاصة لدى الشباب من حاملي الشهائد العليا وارتفاع مؤشرات الفقر بمختلف المناطق).

إضافة لهذه العوامل مجتمعة، فقد بقي النظام السياسي القائم غير قادر على التعامل مع هذا الواقع الصعب والغضب الإجتماعي المتنامي خاصة بعد بروز أحداث الحوض المنجمي الذي انتفض شبابه بسبب فساد سياسة التشغيل داخل شركة فسفاط قفصة (انطلقت شرارة الإحتجاجات  بداية من شهر جانفي 2008 وخلفت 4 قتلى و 34جريحا، كما تم ايقاف عدد من النقابيين من بينهم عدنان الحاجي كاتب عام نقابة التعليم الأساسي وعضو الاتحاد المحلي للشغل بالرديف).

إن القانون الإجتماعي وحده لن يكون صمام أمان للمجتمع اذا ما عم الفساد واستفحلت الرشوة والمحسوبية، خاصة في ظل الأزمة العالمية التي ضربت اقتصاديات البلدان التي تربطها بتونس علاقات تجارية ومالية هامة.

                                                                                               (جميع الحقوق محفوظة)